السيد كمال الحيدري

77

معرفة الله

إنّ انحصار الناعتية بهم هو الآخر كاشف إنّي عن كونهم لا يفارقون الحقّ أبداً ، فهم لا ينطقون إلّا بالحقّ ولا يُبصرون إلّا الحقّ ، ولا يعبدون إلّا الحقّ ، فصار كيانهم وسمتهم هو المعية والفناء في الحقّ وحده . وفي ظلّ هذه المعيّة الفنائية نفهم قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حقّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « عليٌّ مع الحقّ والحقّ معه » « 1 » . إنّ النمط المعرفي الذي تحقّقوا به بوّأهم مرتبة وجودية امتازوا بها عن سائر الخلق أجمعين ، ولذا قد عجز إبليس نفسه عن قراءة مراتبهم المعرفية الوجودية وكشف أسرارها ومعرفة كُنهها . ففي ضوء هذه المراتب المعرفية يمكننا قراءة سجود الملائكة لهم بعنوان آدم عليه السلام ، ويمكننا قراءة سرّ حسد إبليس لآدم عليه السلام . لقد كانت دائرة المخلَصين المعرفية مغلقة بوجه إبليس وجنوده حيث أفقدتهم لغة استدراجهم وإغوائهم ، فأقرّوا بالعجز ، وقد حكى لنا القرآن الكريم ذلك : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ المُخْلَصِينَ « 2 » . فالشياطين جميعاً محجوبون تماماً عن عالم المخلَصين ، وما داموا جاهلين به فهم عاجزون عن التسويل لهم . إنّ مراتبهم المعرفية الحقّة غاب كُنهها عن الملائكة أيضاً ، وفي ضوء هذا الغياب المعرفي يمكن قراءة سرّ اعتراضهم على جعل الإنسان خليفة لله تعالى في الأرض : قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : الخصال للشيخ الصدوق ، مصدق سابق : ص 496 ح 5 . ( 2 ) ص : 83 82 . ( 3 ) البقرة : 30 .